نشاط تنظيم داعش في البادية السورية وشرق سوريا: مؤشرات إعادة التموضع والتغلغل الأمني والإعلامي

نشاط تنظيم داعش في البادية السورية وشرق سوريا: مؤشرات إعادة التموضع والتغلغل الأمني والإعلامي

تشهد مناطق البادية السورية وريف دير الزور والرقة خلال الأشهر الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في تحركات عناصر تنظيم داعش، وسط مؤشرات ميدانية وأمنية تدل على محاولات التنظيم إعادة بناء شبكاته العسكرية والأمنية والاجتماعية، مستفيدًا من هشاشة الوضع الأمني والانقسام العسكري والسياسي في المنطقة الشرقية من سوريا.
وبحسب معلومات ميدانية ورصد إعلامي محلي، فإن التنظيم كثّف من تحركاته في مناطق البادية الممتدة بين دير الزور والرقة وحمص، مع تسجيل نشاط لخلايا نائمة داخل بعض التشكيلات العسكرية والأمنية المحلية، إلى جانب توسع ملحوظ في النشاط الدعائي والتحريضي عبر منصات التواصل الاجتماعي، خصوصًا “إنستغرام” و”تيك توك”.

تحركات ميدانية متزايدة
رصد ناشطون ومصادر محلية خلال الفترة الأخيرة زيادة واضحة في تنقل عناصر يشتبه بانتمائهم لتنظيم داعش داخل مناطق ريف دير الزور والرقة والبادية السورية، حيث باتت حركتهم أكثر سهولة مقارنة بالسنوات السابقة.
وتشير المعلومات إلى أن بعض عناصر التنظيم نجحوا في التغلغل ضمن تشكيلات أمنية وعسكرية محلية، بما في ذلك مجموعات تعمل ضمن ما يُعرف بـ”الجيش السوري الجديد” وقوات الأمن العام، مستفيدين من حالة الفوضى وضعف عمليات التدقيق الأمني، ما يسمح للتنظيم بالحصول على غطاء وتحركات أقل إثارة للشكوك.
كما شهدت مناطق متفرقة من شرق سوريا عمليات تصفية واغتيالات استهدفت أشخاصًا محليين، في حوادث تحمل بصمات مشابهة لأساليب التنظيم السابقة، خصوصًا في المناطق الريفية وشبه الصحراوية.

 

نشاط ديني وتنظيمي داخل المجتمعات المحلية
مصادر محلية تحدثت عن عودة بعض التجمعات الدينية غير الرسمية داخل مساجد ومناطق نائية، حيث تُقام دروس شرعية وخطابات ذات طابع متشدد تتضمن أفكارًا تحريضية مرتبطة بخطاب تنظيم داعش.
كما لوحظ انتشار كتابات وشعارات على الجدران في بعض القرى والمناطق الشرقية تحمل عبارات مثل:
“الدولة الإسلامية قادمة” و”الجهاد مستمر” في محاولة واضحة لإعادة بث الرعب وإظهار الحضور الرمزي للتنظيم داخل المجتمع المحلي.
ويرى مراقبون أن هذه التحركات تمثل محاولة لإعادة بناء الحاضنة الفكرية للتنظيم، خصوصًا بين فئة الشباب والمراهقين الذين يعيشون ظروفًا اقتصادية وأمنية صعبة.

تصاعد خطير في النشاط الإعلامي الرقمي
أخطر ما يميز المرحلة الحالية هو النشاط المكثف للتنظيم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تم رصد أكثر من 70 حسابًا على منصتي “إنستغرام” و”تيك توك” تنشر بشكل مباشر أو غير مباشر محتوى داعمًا لتنظيم داعش وأفكاره المتطرفة.
وتتضمن هذه الحسابات:
مقاطع قتل وعنف وعمليات إعدام.أناشيد جهادية وتحريضية.
فيديوهات دعائية تمجد القتال والانتحاريين.رسائل تعبئة وتحريض للشباب.
مواد تستهدف استقطاب مقاتلين جدد.محتوى يدعو المقاتلين الأجانب للتحرك والالتحاق بساحات القتال.
ويعتمد التنظيم على أساليب حديثة في النشر، منها:
استخدام حسابات مؤقتة ومتغيرة.
إعادة رفع المحتوى بعد حذفه.
استغلال خوارزميات “الريلز” والمقاطع القصيرة للوصول إلى جمهور واسع.
توظيف مؤثرات بصرية وأناشيد ذات طابع عاطفي لاستهداف الفئات العمرية الصغيرة.
ويرى مختصون أن التنظيم انتقل من مرحلة “الإعلام المركزي” إلى “الخلايا الإعلامية اللامركزية”، ما يجعل عملية تعقب المحتوى أكثر صعوبة.

استغلال الفراغ الأمني والظروف الاقتصادية
تشير التقديرات إلى أن تنظيم داعش يستفيد من عدة عوامل لإعادة تنشيط نفسه، أبرزها:
اتساع رقعة البادية السورية وصعوبة ضبطها أمنيًا.تعدد القوى العسكرية المتنافسة في شرق سوريا.
تدهور الأوضاع المعيشية وانتشار البطالة.
غياب برامج مكافحة التطرف وإعادة التأهيل الفكري.
ضعف الرقابة الإلكترونية المحلية.
استمرار وجود شبكات تهريب وسلاح تربط البادية بالحدود العراقية.
كما أن التنظيم يحاول استغلال حالة الاحتقان الشعبي والفوضى الأمنية لتقديم نفسه كقوة قادرة على فرض النفوذ والسيطرة.

مخاطر المرحلة المقبلة
يحذر مراقبون من أن المؤشرات الحالية قد تعني دخول تنظيم داعش مرحلة “إعادة التموضع الهادئ”، وهي استراتيجية تعتمد على:
بناء خلايا صغيرة غير مركزية.
اختراق المجتمعات المحلية.التغلغل داخل المؤسسات الأمنية. التركيز على التجنيد الرقمي بدل المعسكرات التقليدية. تنفيذ عمليات اغتيال محدودة لإثبات الوجود.
وفي حال استمرار هذا النشاط دون مواجهة أمنية وفكرية حقيقية، فإن المنطقة الشرقية من سوريا قد تشهد تصاعدًا تدريجيًا في هجمات التنظيم خلال المرحلة المقبلة.
رغم خسارة تنظيم داعش لمعاقله الجغرافية الرئيسية في سوريا، إلا أن المؤشرات الميدانية والإعلامية الأخيرة تظهر أن التنظيم لا يزال يحتفظ بقدرة على التكيف وإعادة بناء شبكاته، مستفيدًا من هشاشة الواقع الأمني والانقسامات المحلية.
ويبدو أن المعركة الحالية لم تعد عسكرية فقط، بل تحولت إلى معركة أمنية وفكرية ورقمية، تتطلب مراقبة دقيقة للنشاط الإلكتروني، وتعزيز العمل الاستخباراتي، ومواجهة الخطاب المتطرف داخل المجتمعات المحلية ومنصات التواصل الاجتماعي

عبدالله البنية – كاتب وصحفي سوري